عن البقاء
— مجهول الهوية
المحادثات التي أُجريها مع أصدقاء أجانب تنتهي دائماً عند نفس السؤال: متى ستغادرين؟
يقصدونها بلطف. قرأوا عن العراق. يعرفون القوانين والعناوين. لا يستطيعون تخيّل حياة لا تنتهي بمطار.
لكني لم أُغادر، ولا أعرف إن كنت سأُغادر. أريد أن أكتب عن السبب، لأني أظنّ أننا أكثر ممّا تعترف به سردية الشتات.
أنا امرأة كويرية في الثلاثينيات. أعمل في مهنة تدفع جيداً بالمعايير العراقية. لديّ شقة صغيرة لا يدخلها أحد إلا أنا وصديقة واحدة لديها مفتاح. عائلتي تعيش على بعد ساعة في مدينة أخرى. يحبّونني، بالطريقة التي تحبّ بها العائلات العراقية — بالطعام، بالاتصالات، بالقلق، بالحكم على كل شيء إلا الشيء الواحد الذي لا يعرفونه. أراهم مرّة في الشهر. يعتقدون أنني لم أتزوّج لأنني لم أجد الرجل المناسب. لدينا صفقة بأنني لن أُسمّي الأمر بصوت عالٍ.
سردية الشتات تقول: اخرج، اعثر على بلد فيه حقوق، كن مفهوماً، تزوّج، ابنِ. هذا ليس خاطئاً للأشخاص الذين يفعلونه. لكنها ليست القصّة الوحيدة.
هذا ما سأخسره إذا غادرت:
- لغتي، التي أُفكّر وأحلم بها.
- الطعام الذي صنعته جدّتي والذي أصنعه الآن لنفسي.
- حفنة من الصداقات استغرق بناؤها عشرين سنة.
- مسيرة مهنية استغرق بناؤها اثنتي عشرة سنة، لا تنتقل لمعظم البلدان التي ستقبلني.
- رائحة مدينتي في الخريف.
- أمي، التي أُحبّها.
- الإمكانية الصغيرة بأن البلد الذي أتيت منه، في عقد ما، سيصبح مكاناً يمكن فيه رؤية الأشخاص الكويريين.
هذا ما سأكسبه:
- القدرة على المشي في شارع مع صديقتي.
- حماية قانونية.
- مجتمع مرئي.
لا أتظاهر بأن الحساب سهل. بعض الأسابيع يبدو الحساب واضحاً في اتجاه، بعض الأسابيع في الآخر. أكتب هذا في أسبوع يبدو فيه واضحاً في اتجاه البقاء. قد أكتب شيئاً مختلفاً بعد ستة أشهر.
النقطة التي أريد أن أوضّحها لأي شخص يقرأ هذا هي: الاختيار لك، ومسموح لك أن تختار أي طريق. البقاء ليس جُبناً. المغادرة ليست خيانة. الخياران مليئان بالحزن ومليئان بالحياة. الشيء الخطر هو عدم القدرة على الاختيار — أن تُحاصَر بين قصّتين يرويهما الآخرون عنك.
إذا كنت تبقى، يمكنك بناء شيء. حياة خاصة صغيرة مع شخص أو اثنين يعرفونك. مهنة. ممارسة. حديقة، إذا كان لديك شرفة. نسخة منك توجد فقط في المنزل، لكنها حقيقية.
إذا كنت تُغادر، يمكنك أيضاً بناء شيء. لغة جديدة. أصدقاء جدد لن يعرفوا الأنت القديم. حقّ المشي في الشارع.
أعرف عراقيين كويريين فعلوا الأمرين. أعرف من غادر ويفتقد ذلك بشدّة ولن يعود. أعرف من بقي وبنى حياة خاصة أكثر ثراءً ممّا يتخيّل الشتات. أعرف زوجاً واحداً — امرأتان — عشن معاً لخمس عشرة سنة في نفس المدينة مع عائلاتهن، والعائلات لديها صفقة بألّا يسألن.
ما أريد كتابته لأي شخص أصغر منّي، يشعر أن الطريق الوحيد للخروج هو عبر حدود: هناك طرق أخرى. أهدأ. أبطأ. أكثر خصوصية. لكنها حقيقية.
أنا هنا. أبقى الآن. النهر ما زال يجري تحت الطريق.
— م.، في مكان ما من العراق